Image Here
القاضي العرشي تاريخ لا ينضب
  • 2018/09/08
  • 0

ابرز الملامح التاريخية والنضالية والوطنية لفقيد اليمن الكبير القاضي عبدالكريم العرشي الذي حفلت مسيرة حياته بالكثير من الاحداث والمواقف التي شكلت بدورها ملامح اليمن الحديث وكان القاضي العرشي أحد أبرز صناع تلك الأحداث والمواقف بأدواره المشهودة وحكمته المعهودة وسعيه نحو مصلحة الوطن العليا وكان شريكا فاعلا في مسيرة النضال من اجل بناء دولة اليمن وبرحيله تكون اليمن قد فقدت واحدا من المناضلين الكبار الذين حملوا راية البناء منذ انطلاقة الشرارة الأولى للثورة اليمنية (سبتمبر، أكتوبر) المجيدتين.
لعل ابرز اختزال لهذه الحياة الحافلة بالنضال والتضحية ما جاء في النعي الذي اصدره حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم والذي كان للقاضي العرشي دور كبير في تكوينه الحزبي والسياسي منذ بداية تأسيسه في اليمن كونه عضواً مؤسساً للمؤتمر الشعبي وعضوا للجنته العامة واللجنة الدائمة منذ تأسيسه عام 1982م، ولذلك نعاه حزب المؤتمر الشعبي في بيان له بان (القاضي عبدالكريم عبدالله العرشي، الذي وافته المنية عن عمر بلغ 72 عاماً قضى معظم سنوات عمره في خدمة الوطن عبر المواقع القيادية التي تقلدها، وما أنجزه خلال تلك السنوات، سواء في مجال الإدارة أو على صعيد التشريعات، وكل ذلك أصبح له الأثر الكبير على مستوى الانتقال إلى الدولة اليمنية المدنية الحديثة، وبرحيل المناضل الكبير يكون اليمن فقد أحد رجاله الأفذاذ، وخسر المؤتمر الشعبي العام بهذا الرحيل واحداً من مؤسسيه وقيادياً محنكاً من قاداته المحنكين).
رجل دولة وسياسى محنك
القاضي العرشي من مواليد 14 صفر عام 1348 هـ - 1929م وله من الابناء تسعة (ثلاثة اولاد وست بنات) وهو من أسرة آل العرشي احدى الأسر اليمنية الشهيرة وقد عرفوا بهذا اللقب نسبة الى قبيلة (الاعروش) وهي قبائل خولان العالية (الطيال) ومن قضاتها المهجرة، ويشير المؤرخ اليمني الكبير العلامة محمد بن اسماعيل الكبسي الى ان نسب آل العرشي ينتمي الى قبائل الاعروش رؤساء خولان وبني دوام الذين لهم ذكر في التواريخ القديمة وسيرة الامام المنصور عبدالله بن حمزة وغيرها، وان جدهم مصلح بن احمد العرشي الذي صحب العلامة محمد بن عبدالرحمن الكبسي فنشأ اولاده في هجرة الكبس من خولان وفي مدينة صنعاء.
وفي ذات المعجم الذي ألفه العلامة الكبسي فالعرشي الراحل هو (عبدالكريم بن عبدالله بن احمد بن صالح بن مصلح العرشي) عرف بانه سياسي محنك ورجل دولة قدير وقيادي اداري كفء وقاض شرعي متمكن، شارك بنصيب كبير في مسار العمل الوطني وتولى اعمالا بارزة عديدة ابرزها -بحسب ترجمة المعجم- منصب عامل وحاكم ناحية مغرب عنس ثم عاملا لكل من ذيبين وجبل رأس وزبيد وذمار وحراز وعضوا في الديوان النيابي ومساعدا لمحافظ لواء الحديدة فمديرا لوزارة الداخلية ومديرا عاما للمحافظات (تولى خلالها تنظيم التقسيم الاداري لليمن والقيام باحصاء شامل للقرى والعزل والمخاليف والنواحي والقضوات.. ويعد هذا التنظيم والاحصاء هو الاول في اليمن) ورئيسا لمصلحة الاملاك ومحافظا للواء إب مرتين ثم وزيرا للخزانة لمرتين وفيها تم اعادة تنظيم وزارة الخزانة لتصبح وزارة المالية ووزيرا للادارة المحلية، ثم عين مساعدا لرئيس مجلس القيادة في
رفض برنامج الحكومة المعد في 60 صفحة ورد عليه ب 63 صفحة
أعد مشروع الميثاق الوطني.. وشارك في فك الحصار عن صنعاء
عهد الرئيس ابراهيم الحمدي ثم مساعدا لرئيس الجمهورية ورئيسا لمجلس الشعب التأسيسي في عهد الرئيس احمد الغشمي وبعد حادث مقتل الغشمي تولى العرشي رئاسة مجلس الرئاسة الى ان تولى الرئيس علي عبدالله صالح رئاسة الجمهورية فكان العرشي نائبا لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشعب التأسيسي فرئيسا لمجلس الشورى في انتخابات 1987 حتى قيام الوحدة اليمنية عام 1990 حيث اختير عضوا في مجلس الرئاسة ثم مستشارا لرئيس الجمهورية.
مشروع الميثاق الوطني
ويذكر المؤرخ الكبسي ان من انجازات القاضي العرشي اعداد مشروع الميثاق الوطني (حيث كان رئيسا للجنة اعداد مشروع الميثاق الوطني التي تشكلت من عدد من اعضاء مجلس الشعب التأسيسي وعدد من الشخصيات الوطنية من خارج المجلس عام 1978م وتولى حينها اعداد مشروع الميثاق والذي تم على اثر انجازه تشكيل لجنة الحوار الوطني) وفي ذلك يقول الدكتور احمد الاصبحي عضو مجلس الشورى وأحد قيادات حزب المؤتمر عن القاضي العرشي انه (يعرف الذين عملوا معه مدى التفاني الذي اتسمت به شخصية، وهو ما جعل الرئيس علي عبدالله صالح يوكل إليه الكثير من المهام الجسام، وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر ما كلفه به فخامته في أعمال المتابعة الحثيثة في مختلف مراحل صياغة الميثاق الوطني).
ومن أبرز الأعمال تقنين احكام الشريعة الاسلامية حيث اعتبرها المؤرخ الكبسي في معجمه بانها أهم مكسب تشريعي وقانوني وفقهي لليمن، وفي ذلك ما ذكره الكاتب نصر طه مصطفى قائلا (هذا الرجل الذي كان لتعاونه الكبير مع فخامة الرئيس علي عبدالله صالح أثناء رئاسته لمجلس الشعب التأسيسي خلال الثمانينات الأثر الرائع في إنجاز أحد أهم المعالم العظيمة في حياة الشعب اليمني المعاصرة.. ذلك هو مشروع تقنين أحكام الشريعة الإسلامية الذي يعد مفخرة لليمن على مستوى العالم الإسلامي.. هذا المنجز الكبير الذي أسهم في ترسيخ وحدتنا الوطنية على أسس ثقافية فكرية فقهية اجتهادية مستنيرة معتدلة عصرية والمعمول به حاليا في كافة المحاكم، وكان للقاضي العرشي مع الكثير من علماء اليمن الأبرار اليد البيضاء في إخراجه إلى النور وبدعم غير محدود من الرئيس الذي لم يكتف بتحقيق وحدة الأرض اليمنية فقط بل عززها بوحدة الفكر والفقه).
ويذكر المؤرخ الكبسي «ان العرشي وهو في جميع مواقفه ترك بصمة واضحة من شخصيته الادارية والقيادية ومما يحسب له حرصه على القراءة والمتابعة كما انه حاصل على وسام الوحدة وعلى عدد من الدروع والميداليات التكريمية اليمنية والعربية».
ادارى حكيم
ويتحدث عنه الدكتور عبدالعزيز المقالح بقوله ان القاضي عبدالكريم العرشي كان يجمع بين الصفتين، صفة رجل الدولة وصفة الإداري الحكيم يؤكد على ذلك كل من عرفه وتعامل معه سواءً كنائب رئيس جمهورية أو رئيس لمجلس الشعب التأسيسي ومجلس الشورى أو عضو في مجلس الرئاسة، كما في سائر المناصب الإدارية التي شغلها منذ منتصف الخمسينيات.
وعن ذكرياته عن القاضي العرشي يقول الدكتور المقالح (كنت صديقاً لاخيه المرحوم السفير عبدالوهاب العرشي وكان واحداً من المثقفين المناضلين الأوفياء، ولم يكن يكف عن الافتخار بما لأخيه عبدالكريم من قدرات إدارية وحزم في تصريف الأعمال الرسمية دون قسوة أو تعال. وعندما أسعدني الحظ وتعرفت عليه بل وعملت معه عن قرب في السنتين الأخيرتين من عقد السبعينيات اكتشفت أن ما كان يقال عن حُسن إدارته لم يكن إلاَّ أقل القليل ومما زاد إعجابي به طبيعته الإنسانية القائمة على التسامح واستعداده لتقبل الرأي المخالف دون أن يحمل في نفسه أي إحساس بالضغينة أو التقليل من شأن المخالف له في رأيه كما كان يتمتع بقدرة فائقة على الإنصات وعدم التسرع في إطلاق الأحكام المتعجلة على الناس وأفكارهم قبل التثبت والوقوف على الحقيقة، ومن الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها رجل الدولة في أي مفصل من مفاصلها أن يتحلى بالصبر وسعة الصدر وطول البال، وهي صفات أساسية برزت لدى القاضي عبدالكريم بوضوح تام عندما بدأ في رئاسة مجلس الشعب التأسيسي في مرحلته الأولى فقد تراكمت المسؤوليات التشريعية على هذا المجلس. ولم يكن أهمها وأحفلها بالحوار الساخن تقنين أحكام الشريعة الإسلامية وما كانت تثيره القوانين المختلفة من تجاذبات وانفعالات وكيف كان يدير الجلسات بحكمة وصبر ولم يحدث أن قاده الغضب أو الانفعال إلى موقف يتناقض مع طبيعته الهادئة المتوازنة، ولا تكتمل الصورة، صورة رجل الدولة والشخصية الإدارية الفريدة كما تمثلت في الفقيد العزيز دون الإشارة إلى ما كان يتمتع به من صبر وجلد في مراجعة القرارات والقوانين وفي إعداد اللوائح حيث كان يمضي الليالي الطوال بلا كلل أو ملل حتى بعد أن تناوشته الأمراض وأفقدته نشاطه المعهود، أما عن مواقفه الوطنية فتكفي الإشارة إلى دوره في المشاركة في فك الحصار عن صنعاء وما ترتب على ذلك الانتصار العظيم من القضاء على آخر وهم في المسلسل العدواني الطويل على ثورة الشعب اليمني).
مواقف صلبة
ومن المواقف التي يتذكرها الكثير من اليمنيين يقول رئيس تحرير صحيفة الوسط ان القاضي العرشي رحل مخلفاً مواقف يستعصي على الذاكرة نسيانها، لأنها إما دافعت عمن كان مسؤولا عنهم أو وقفت حائلا بين القوانين وبين من حاولوا انتهاكها والقفز عليها، مشيرا الى ان مواقف العرشي الصلبة كثيرة تتعدد بتعدد المواقع التي شغلها ومما يمكن ذكره منها يوم قدمت حكومة عبدالعزيز عبدالغني برنامجها إلى مجلس الشورى الذي كان يرأسه العرشي، رفض قبوله لأنه كان قصيرا ومؤلفاً من 60 صفحة وعقب عليه بتقرير 63 صفحة شمل النواحي التي اغفلها برنامج الحكومة وأصر على أن يدخل ضمن البرنامج وكان له ما أراد. ومن تلك المواقف ايضا حينما استدعى مجلس الشورى ذات مرة وزير الاعلام حينذاك «حسن اللوزي» الذي كان رئيس الجمهورية كلفه بالسفر إلى سوريا وحين لم يحضر المجلس، لم يتردد «العرشي» في توجيه مذكرة إلى مطار صنعاء بمنعه من السفر لولا تدخل الرئيس واستمهال المجلس ثلاثة أيام حتى عودة «اللوزي» الذي عاد في الموعد المحدد ولبى استدعاء المجلس. وفي هذا درس بليغ للمجالس النيابية الحالية التي تعجز عن احضار وزير إلى القاعة وهي المنتخبة من الشعب في حين لا تستطيع اتخاذ موقف يضاهي موقف «مجلس الشورى» الذي كان يسمى اعضاؤه بالتعيين، لكن شجاعة رئيسه صنعت منه رقيباً حقيقياً لا يخطئ الزلل ولا يجبن عن المواجهة.

من صفحة فقيد الوطن الرئيس القاضي/ عبد الكريم العرشي (على الفيس بوك)

أكتب تعليقاً